بحث

طائر الحرية

0

الحياة وبكل ما تملئها من أحاسيس وأخيلة وهواجس كانت تأبى ان تكون طيف على تلك الأيام التي كنا نعيش فيها معا والتي كانت الرفاقية تفتح عيناها بين لياليها وضحاها. لأجل ان تشاهد جمال وروعة تلك الآمال والأماني التي كانت تولد من جديد وكانت تأبى أن تتدفق مثل ينوبوع وهو يحفر طريقه بين الجبال والصخور والطرقات الوعرة. تلك الحياة التي كانت وللمراة الأولى تقف على أقدامها وهي تواجه مصاعب الحياة، لوحدها بين دهاليز هذه الحياة التي غدة ناراً تحترق وتلتهب رويداً رويداً. وهي تتطلب منا مواجهة ومقاومة بأرادة صلبة وروح لا تهاب المستحيل.

فكل الحقائق والشواهد الحية في هذه الحياة، تمثل حقيقة الأنسان الذي يمثل بوجوده مكانا مميز لا يوازيه شيء في هذا الكون الفسيح والواسع. لأن الأنسان عندما خطا بقدميه على سطح هذه الأرض التي تمتد على مرمى أنظارنا أصبح يواجه هذه الحقائق بكل وضوح وبات وجه لوجه أمام تخطيها والتغلب عليها مهما كلف ذلك من بدائل وتضحيات. وكان المرء دائما يسعى بناء موطن ومكان ساكن وآمن ليحتويه ويحميه من الموت والزوال وليعيش حراً بعيد عن مخالب الحيوانات الخطرة ونوايا البشر الشريرة التي تفتك بكل شيء حي على هذه الأرض المعطاة.

فالرفيق قهرمان كان أحد من هؤلاء الأناس الذين كانوا يأبون ان تكون حياتهم منذ الصغر وخاصة في مرحلة الشباب ملئها الطمئنينة السلام والأمان لكي يكتبوا وكما يشتهون في كتاب حياتهم أجمل الأيام واللحظات الحلوة وينخطروا بين هذه الحياة بكل جوانبها التي توهب الأنسان كل شيء جديد ومغاير. وكان يأبى أن يعيش بين أحضان وطن الشمس والنار وككل أنسان يعيش في وطنه حراً ومعززاً. تلك الحياة التي لا تطالها مخالب الحروب والدمار، ولا تطأها أقدام الأحتلال والمجازر.

ولكن تبا لذا الزمن الذي لم يشئ ان يعيش فيها الرفيق قهرمان وكل من الشباب الكرد في جو من السلام والامان في ربوع كردستان والتي لم يكتب لها الهدوء والأمان منذ عقود وعصور. وكأن الشيء الذي كان يتمناه الرفيق قهرمان كان غالياً وصعب المنال على عاتق هذه الحياة. فالرفيق قهرمان كان يأبى أن يكون رحالة ولكن ليس خارج وطنه بل رحالة يتجول بين احضان وطنه كردستان من دون اية عوائق وحواجز تعيقه من التجوال والتنقل من قرية لأخرى ومن مدينة لأخرى وهو يطوي تلك الجبال العالية وتلك الوديان التي تجري فيها المياة وهي تدوي بصوت خريرخها في كل الأصقاع ليلتقي بلكل أبناء وطنه وفي كل الجهات من الوطن. وكان يأبئ أن يشبع ناظره بجمال كردستان وروعة مناطرها التي كانت تسحر كل من يتأملها.

كان يعمل ليل نهار لكي يقاوم الزل والطغيان وهي يشاهد هذا الوطع المآساوي الذي يمر فيه الشعب الكردي، وهو يجعل من نفسه درعا ليصد كل الويلات والمجازر والأخطار على أبناء شعبه. فكلما كان يكبر في السن كانت يذداد معرفته بحقيقة الوطع الذي كان يعاش وكان يعي كيف يقاوم تلك الصعوبات وهي ينخرط بين النضال، بعدما تعرف على حقيقة الثورة والقيادة وكيفية بناء الشخصية الناجحة والتي لا تنهزم في وجه العدوان والموت.

وكلما كان يعي حقيقة ومكامن الثورة وحقيقة الشعب الكردي وتاريخه العريق كان ينخرط بشكل أكبر بين النضال وبروح عالية تملئها الثقة والمثابرة نحو الأمام، والقيام بالمهام التي كانت توكل إليه على اكمل وجه وأينما كانت ومهما كانت تلك المهمات وصعوبتها. كان يعمل لماسعدة عائلته في تدبير شؤنها من جهة ومن الناحية الثانية كان يناضل بين صفوف الشباب، فقد كان يوافق بين مساعدة العائلة وعدم التخلي عن مهماته الثورية والتي هي من واجباته كشاب وممثل للمجتمع والشعب وكأنسان يعي حقيقة ما يعيش على أرض الواقع بكل حزافيها وواقائعها.

فقد كان الرفيق قهرمان الأبن الأكبر في العائلة وهذا كان يثقل من واجبتاته تجاه اخواته وعائلته من كل النواحي، وكانت تجعله ان يتحمل المسؤولية وهي في بداية عمره، ويعرف كيف يواجه مصاعب الحياة ويتواخها.

رغم صغر سنه ولكن لوجوده في واقع يحتك مباشرة مع الاحداث التي تشدها الثورة وكانت المنطقة تشكل أحدى المعاقل المهمة بالنسبة للثورة. كل هذه الأمور وغيرها كانت تجعل الرفيق قهرمان يعي بسرعة حقيقة وواقع الشعب الكردي والتأثير بفكر القائد والحزب منذ زمن مبكر من عمره وينخرط بين النضال كأحد الرفاق الحزب الرسميين. لان الواقع الذي كان يعاش لم يترك أمام الرفيق قهرمان أي خيار غير الأنضمام لصفوف الثورة والألتحاق بالنضال. لاجل الحصول على حقوقه المشروعة والسعي إلى الوصول لتلك الحياة التي كان يطمح إليها منذ الصغر وولد لاجل أن يستنشق هواء الحرية على أحضان هذه الأرض التي وهبته معنى الحياة وحقيقتها.

فقد كان الواقع الموجود يفرض عليك خيارين يا اما الرضوخ للواقع الموجود والقبول بكل ما يحل بك من أهانه وحقارة وعبودية وانت تعيش كعبد لا معنى لوجوده كقشة في مهب الريح، أو النضال والأنخراض بين صفوف الثورة ، وبذلك النيل من العدو والوصول لتحقيق أهداف الشعب في الحرية والأمان. لكن الرفيق قهرمان ولأنه لم يكن كمثل جميع الشباب الذين كانوا يفكرون فقط بحياتهم الشخصية وحياة عوائلهم. ولأن أفكاره وهواجسه كانت توهب له مذيد من التفكر الواسع والنضج المعرفي. فقد أختار طريق الثورة والعمل الدؤوب لخدمة شعبه وتحقيق أهدافه في الحرية. وكان حركة حزب العمال الكردستان وفكر القائد آبو خير دليل له ولتخيلاته التي رأت النور في أفكار القائد آبو لانها رأى فيها الشخصية التي تقاوم وتتصدى للمستحيل وهي تبني الشخصية الناجحة والتي لا تهاب العدوان والموت وكانت تلك الشخصية بالنسبة له الهدف الأساسي وكان كل حلمه أن يصل لمرتبة يمثلها في الواقع ويكون صديقا وسائراً في طريقها.

لذلك وكلما كان الرفيق قهرمان يعي حقيقة الثورة والقيادة كان ينخرط أكثر بين صفوف الثورة وكان بذلك يكمل جوانب شخصيته الناقصة. لانه كان يعي تماما انه وبهذه الشخصية التي بناها النظام والتي ترسبت فيها شوائب النظام لن تستطيع المقاومة أما كل سياسات العدوان ومساعيها التي تأبى التأثير على الشعب الكردي وجعله عبيداً من دون تفكير ومن دون رأي وليس له وجود في هذه الحياة. أصبح الرفيق قهرمان كعاشق للحرية يمتطي صهوة تلك الجبال التي كانت وما تزال معقل النسور والشجعان وموطن الأباء والاجداد وقلعة المقامة ودرع العدوان على مر التاريخ وهو يستنشق هواء الحرية ويفتح صدره ليواجه الصواعب ويتخطاها في كل مكان. لم يدخل الرفيق قهرمان للمدرسة ولكنه دخل لمدرسة الحزب وتمرس على فنون الحياة في مدرسة القائد آبو. تلك المدرسة التي وهبته كل شيء جديد علمته ان يعيش حراً، علمته معنى الحياة وحقيقة الأنسان ومعنى وجوده، علمته ان يعيش حراً أو لا يعيش على هذه الأرض التي ولد المرء فيها لكي يعيش حراً لا شيء سواها.

فقد كانت هذه المدرسة بالنسبة له منبع الثقة والأيمان والأرادة وهو يبني فيها شخصيته ويعي حقيقة كل شيء يتعلق بخفايا هذه الحياة التي باتت تنكشف له بكل وضوح. لذلك كان بتلك الشخصية الحرة والقيادية يمثل الشباب في كل مكان في القرية والمدينة وفي الجبال والثورة. كل هذه الجوانب الأيجابية التي كانت تجتمع وتتدفق من أفكاره وطموحاته التي لم تكن تعرف السكون والحدود وهبته شخصية مقاومة وقادرة على تمثيل الشباب وكل من حوله من الرفاق. فقد كان بمثابة المدرس والطالب في نفس الوقت يعطي لمن حوله من أفكاره ويوهب وياخذ من رفاقه ما يذيد من قوته ويكسبه أفكارا وثقافة وأرادة لمواكبة الواقع والتغلب على العدوان. كان مثل ينبوع يتدفق وهو يسقي كل شيء من حوله ويوهب الحياة للجميع تلك الحياة التي تبني بالكدح والعرق والدماء الطاهرة. لاجل أن تصبح الحياة ذات لون وطعم، ومثل الربيع الذي يزينه الورود والأزهار بكل جماله وعطورها التي تذكي النفوس وتبرد الصدور.

فقد كانت جبال كردستان بكل عظمتها وجبروتها بالنسبة له تمثل كل شيء في هذه الحياة وكانت بالنسبة له تشكل الطريق للوصول لتحقيق كل أمانيه وطموحاته وكانت بالنسبة له تمثل الحياة والأنسانية وعش لكل عشاق الحرية، وكلما كان يتجول على قمم تلك الجبال الشاهقة والعالية ويستنشق من هواء تلك الأرض الغلية كان يزداد عشقه وأرتباطه بهذه الأرض اكثر فأكثر وكان جال كردستان وخلابة مناظره تسكره وتكبر في قلبه رويداً رويداً. وكان كمثل الطفل الذي يسكر بين أحضان أمه وهو لا يأبى أن يتركها ولو للحظة واحدة. ولانه كان يعشق كردستان بكل ما يحتويها من جبال ووديان وينابيع وأشجار وحيوانات كانت كل الصعوبات التي تقف في ووجه تزول ولا يحسب لها حساب بل يتصدى لها بصدر رحب وهو ينخرط بين النضال دونما ييأس من المهمات التي كانت توكل إليه أو يهمل واجباته، بروحه المضحية التي لم يكن لها حدود.

لذا ولأجل أن نتعرف على حقيقة شخصية الرفيق قهرمان وسيرة حياته التي ضحى بها لأجل حرية الشعب والوطن. يجب أن نتمعن في حقيقة وجوانب هذه الشخصية ونواكب كل الشخصيات التي أنخرطت في صفوف الثورة ونتعرف على مكانت هذه الشخصية أكثر من الرفاق الذين عاشوا هذه الحياة وأنخرطوا فيها بكل هواجسهم وأفكارهم وكانوا بكل معنى الكلمة جسر لعبور الاجيال ومنبع الشهامة والأباء. لأن الأفكار والمبادء التي مثلها كل من الرفيق الشهيد قهرمان وكل من الشهداء الذين ضحوأ بدمائهم في سبيل حرية وكرامة الوكن لا يستطيع القلم والكلمات أن تصلط النور عليها وتعطي حقها وتستطيع ان تعبر عن كل جوانبها الحياتية.

فقد كان الرفيق قهرمان يعرف برفاقيته التي لم يكن لها مثيل وكان يقاسم كل جوانب الحياة  وحقائقها مع رفاقه ويقاسمهم بكل شيء في هذه الحياة. التي كان يعبر عنه بكتاباته وهو يملي بأحاسيسه وهواجسه على الورق وكأنه عطش يرتوي من الكلمات والحروف التي كانت تشبع تخيلاته وتجعلها تتدفق كينبوع من العطاء والكبرياء. وبخاصة عندما كان يقف على علوا تلك الجبال التي كانت تطال السماء لكي يشاهد جمال وفسيح الوطن بكل جبالها وانهارها ووديانها وسهولها والتي تمتد على امتداد الأنظار. بطلوع الشمس التي كانت تنبثق من خلف الجبال بنورها الألاهي ووجها المشرق والتي كانت توهب الأرض الحياة والحيوية والدفئ وهي تصبح على الكون أجمع مبشرة بيوم جديد وحياة سعيدة ملئها السلام والأمان. وكذلك غروبها وهي تختفي وراء تلك الجبال، والتي كانت وكانها تحميها وتوهبها الأمان والطمئنينة، تلك المناظر وسواها كانت جميلة وأنت تشاهدها من ذللك العلو ومن زرى تلك الجبال العالية التي تتسلقها وأنت تحس حينها بان الأرض كلها لك ولا شيء في هذا العالم يمنعك من الطيران فوقها بكل حرية وأمان، وأنت تمتلك قوة مفارقة هي قوة الطبيعة التي تعطي الأمان والسلام وليس قوة الأستغلال والتحكم في الكون. بل الشعوب بالحب والمحبة والتسامح وأنت تحلق بناظرك في خبايا الكون والسماء والأرض وهي تلتحم في نقطة نور وشرارة تولد الحياة من جديد.

عندها كان الرفيق قهرمان وكانه يستمع لصوت دقات قلبه الولهان والعاشق والذي كان مرتبط كثيراً بجمال كردستان وجنة الفردوس التي لا مثيل لها في العالم أجمع. وكان في كل نظرة من نظراته التي كان يطلقها على امتداد روحه بالنسبة له كولدة جديدة وهو يحس وكأنه جزء من هذه الطبيعة ولكنه يعود من جديد لكي يلتحم بها بكل هواجسه وأفكاره وكأنه طفل صغير ينام بين أحضان أمه في وئام وسلام ولا يأبى الرحيل والسفر منها. فقد كان ولأول مرة يتعرف على معنى الحرية ويستنشق هواء الحرية من على تلك الجبال العالية والعيش بين تلك الجبال بعيداً عن مسالك ومخالب الحياة التي تتحكم فيها العقول المتصحرة والنوايا والأطماع التي لا تشبع من الدماء والدماء والقتل والأحتكار في سبيل أن تعيش هي ولا سواها. وكلما كان يشاهد قرية فارغة أو بستان وأشجار أحترقت أثر النيار التي أقترفتها مخالب العدوان والاحتلال كان يتألم كثيراً. لأنه كان يتخيل تلك القرى قبل ان تضمر بها النيار وهي تعج بالضجيج وصيحات الصغار وهم يلهون ويلعبون في تلك البيادر والسهول الخضراء. ولكنها الآن باتت تعيش صمت مهيب فلا صيحات الصغار ولا تجمع الصغار ولا زغاريرالأمهات ولا شيء حي في هذه الديار التي تشهد واقع أليم يجرح الأفكار والقلوب الضمائر في كل لحظة. وكلما كان الرفيق قهرمان يتمعن في هذه الحياة التي ملئها الأسى والدمار والخراب والمجازر التي لم تشهد لها مثيل في العالم كان يتألم قلبه ويذداد حقده وغضبه على الاعداء أكثر، وكان يذداد تعمقه في معرفة حقيقة الثورة والتعرف أكثر على فكر القائد والثورة. وكان يشاهد نفسه جاهذا لكي يقاتل في كل مكان وفي الساحات ولا يتراجع ولو لخطوة واحدة في سكب دمه قطرة قطرة في سبيل حرية وتحرير كردستان من هذا الدمار والخراب والعدوان الذي لا يعرف سوى لغة الحرب والدماء. بكل هذه الصفات والمميزات كان الرفيق قهرمان يجسد في شخصيته حقيقة المجتمع الأخلاقي ويحس باكثر بالمهام والواجبات التي يتوجب منه تحقيقها على أرض الواقع لكي يحرر نفسه ووطنه وشعبه من نير وتسلط العدوان والأستعمار والرأسمالية.

فحقيقة القيادة في الواقع الكردستاني جعلت كل انسان يعشق الحرية يناضل في سبيل الوصول للحرية وحماية الشعب والوطن من الزوال والضياع وأيصال الأنسانية لبر السلام والامان في أقرب وقت. فالإنسان ولد لكي يعيش حراً على سطح هذه الارض. والرفيق قهرمان مثل طفل كردي عندما فتح عيناه على النور في هذه الحياة عرف بأن الطريق الوحيد لأجل الوصول لتحقيق مساعيه وأحلامه هو النضال والأنخراط بين صفوف الثورة وليست هناك طريق أمامه سوى ذلك. وكانت مسيرته البطولية هي تسلق تلك الجبال التي توهب الأرادة وتحرر الانسان من كل القيود والأفكار البالية والسياسات التي لا تخلق سوى الانسان العبيد والذي لا وجود له في هذه الحياة ولا معنى لوجوده لأنه انسان حي في القبر. وفي النهاية وصل الرفيق قهرمان لتحقيق أماله وتخيلاته وأحلامه في الوصول للحرية وأعتناقه من الجذور بكل كبرياءه  الحي وتلاحم مع الطبيعة والأرض التي وهبته صدراً رحب وجنة تفتح له جناحيها لكي يطير بها عالياً في سماء الوطن وفي سماء كل القلوب التي تعشق الحرية. كطائر شاب وممثل للشبيبة الكردية  وقدوة لكل الشباب في العالم وهو يسقي بدمه الطاهر تراب الوطن الخالد ليدون بذلك أعظم ملحمة وأسطورة للشهادة بين كتاب التاريخ والتي تملئها قصص الأبطال ونداء الأرواح ومكتوب الشهادة وهو يسطرها بأرداة طفل يعشق الحرية والسلام.

نجم عبدالله

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.